الحبيب الميساوي
الشروق : 20 - 09 - 2012



هشاشة الوضع الأمني في تونس لم تعد مقتصرة فقط على التحركات السياسية لبعض المجموعات بل تعدّتها لتشمل أحياء وولايات بأكملها أصبحت خارج السيطرة تقريبا..
الاخفاق
الأمني الذي رافق تدخلات وحدات وزارة الداخلية في المدة الأخيرة يدفع
باتجاه طرح أكثر من سؤال حول الوضع الأمني العام في البلاد وهل ان الدولة
تحكم قبضتها فعلا على كامل التراب الوطني أم أن هناك ثغرات في السياسة
الأمنية حوّلت أحياء عديدة داخل العاصمة بل وولايات بأكملها داخل الجمهورية
خارج السيطرة.
وإن كان من الطبيعي أن يكون الخطاب السياسي للحكومة
مطمئنا فإن الواقع في أغلب الأحيان يؤكد عكس ذلك. فانطلاقا من شهادات
المواطنين يتضح ان غياب الأمن في مناطق عيشهم صار أمرا مألوفا بل إن الناس
تعوّدوا على حل مشاكلهم بأنفسهم وتوفير الحماية لذواتهم ولممتلكاتهم بما
توفّر لهم من امكانيات ذاتية.

وعلى سبيل المثال لا الذكر فإن منطقة الجبل الأحمر بتونس
العاصمة لا تتوفّر على مركز للأمن بعد حرق المركز الوحيد إبان أحداث 14
جانفي 2011 والكائن بحي الزياتين واقتصر وجود وزارة الداخلية على وحدة
متنقلة لا يتجاوز محيط تدخلها محطة المترو بشارع مفتاح سعد الله الرابط بين
باب سعدون ورأس الطابية ليبقى أكثر من عشرة آلاف مواطن يقيمون في الأحياء
المتاخمة لمقبرة سيدي يحيى بالعمران والجبل الأحمر وهضبة الهيلتون وتخوم
الطريق السريعة «إيكس» ومحيط المركب الجامعي دون حماية أمنية لتتعقّد
الأوضاع ليلا في هذه المناطق في غياب مراكز استمرار تؤمن التدخل السريع
لنجدة المواطنين متى احتاجوا لذلك.

هذا الوضع أثّر سلبا على تدخل
وحدات النجدة والفرق المتنقلة التي أصبحت تقوم مقام المراكز الثابتة الأمر
الذي خلق نوعا من الازدحام في خطوط الهاتف الموضوعة على ذمة المواطنين
للاتصال بفرق النجدة وصعّب من مهمة الأعوان الذين لم يعد بإمكانهم القيام
بمهام على الاقل في ظروف طبيعية وإنسانية فالعديد من الأعوان يشتغلون في
بعض الأحيان أكثر من عشرين ساعة دون انقطاع ولكم ان تتخيّلوا حجم المعاناة
من الجانبين اي عون الامن المرهق والمواطن المهدد في سلامته.

الأمن الذاتي

والأحياء الشعبية بالجبل الأحمر وبالسمران ورأس الطابية كثيرة في العاصمة التونسية
اذ تعددت الاعتداءات على المواطنين وتكاثر الاجرام في مناطق سيدي حسين
السيجومي ومدينة عمر المختار والمروجات وحتى الأحياء الراقية تحوّلت الى
مرتع للمجرمين وتجّار المخدّرات والجنس ويكفي الإشارة الى العدد المهول
للسيارات المسروقة في تلك المناطق الراقية لنقف على حجم الانفلات الأمني
الذي تعيش على وقعه البلاد منذ 14 جانفي 2011.

وعلى رفض المواطنين
الذين التقتهم «الشروق» ذكر أسمائهم او حتى مقرات اقامتهم خوفا من بطش بعض
المجرمين فإن الامر الايجابي الذي خرجنا به هو ذلك المتعلق بالرغبة الجامحة
عند شباب تلك الأحياء في حماية المتساكنين حيث تكوّنت لجانا شبيهة بتلك
التي عرفتها تونس غداة أحداث 14 جانفي تتدخل بالحسنى لفضّ المشاكل بين الأجوار بل هناك من اكتشف أن السلوك المسالم للتونسيين هو الذي وقى البلاد الى حد الآن من السقوط في الفوضى الأمنية.
ورغم
غياب مصادر موثوقة لمعرفة ما يحدث داخل الجمهورية فإن ما يأتي من حين لآخر
على لسان عديد الزملاء الصحفيين العاملين بالجهات يدعو الى دقّ ناقوس
الخطر.

إذ أنه على ما يبدو هناك ولايات بأكملها خارج السيطرة الأمنية كالقصرين وقفصة والكاف التي تشهد تزايدا مخيفا في أعداد الجرائم في غياب خطة أمنية واضحة وإن كانت الأوضاع في مراكز الولايات
جيدة نسبيا فإن المعتمديات والأرياف تشهد انفلاتا أمنيا كبيرا حوّل هذه
المناطق الى أوكار للجريمة بمختلف أنواعها حيث نشطت تجارة المخدرات على
اعتبار أنها مناطق حدودية عادة ما ينشط فيها التهريب بمختلف أنواعه، لكن
الملفت للنظر هو بروز ظاهرة إجرامية جديدة في تونس وهي جريمة الاعتداء على البيئة والمحيط بشكل عام فحسب شهود عيان في ولاية الكاف
فإن الثروة الغابية أصبحت مهدّدة بشكل جدي خاصة منطقة الدهماني بعد تتالي
الاعتداءات على الأشجار التي يتمّ قطع المئات منها يوميا من طرف أشخاص
يتاجرون في الفحم المعدّ إما للتدفئة أو للمقاهي لإشعال تبغ «الشيشة»، يحدث
هذا على مرأى ومسمع من حراس الغابات الذين لا حول لهم ولا قوة أمام جبروت
هذه العصابات وتهديداتهم.

فاقد الشيء لا يعطيه

إن السؤال الأهم في غمرة الحديث عن الانفلات الأمني في تونس يتعلق بتحديد المسؤولية وإن كان المواطنون قد شهدوا في المدة الأخيرة على خلفية أحداث السفارة الأمريكية
النقاش الحاد بين مختلف النخب السياسية التي أدلى كل منها بدلوه في
المسألة الأمنية فإن الواقع يفترض النظر أولا في الوضعية النفسية
والاجتماعية والقانونية لعون الأمن في تونس وفي التجهيزات اللوجستية الموضوعة على ذمته للقيام بدوره على الوجه الأكمل.

فبلغة الأرقام لا يخفى على أحد أن وزارة الداخلية التونسية
فقدت أكثر من 50٪ من إمكانياتها اللوجستية بسبب حرق عشرات المراكز
والمناطق الأمنية وضياع قطع سلاح وذخيرة وتدمير مئات العربات والسيارات
الادارية وإتلاف معدات معلوماتية وأرشيف استخباراتي يتعلق بالأفراد
والمجموعات الارهابية والإجرامية.

إلا أن المسألة الأكثر تعقيدا
وخطورة تتعلق بالحماية القانونية لرجل الأمن عند القيام بمهامه إذ لا يخفى
على أحد أن الأعوان صاروا مهدّدين في حياتهم وحياة ذويهم بعد رفع الحماية
عنهم بتعلّة حماية الموقوفين والمشتبه بهم وما زاد الطين بلّة عدم التنسيق
بينهم وبين الجهاز القضائي في تحديد خطورة الجرم ومدى تهديد الشخص الموقوف
المحال على النيابة العمومية وقضاة التحقيق على الأمن العام ومن ثمّة تحديد
مستوى وأدوات الردع ويعلم خبراء الجريمة في العالم بأسره أن الوحيد
المؤهّل لتحديد مدى خطورة شخص ما هو عون الأمن المباشر لسلوك وطبائع الناس
على الميدان خلافا للسادة القضاة الذين يسهرون على تطبيق وتفعيل القانون
حسب ما يمليه الوجدان والضمير والنص لذلك يصبح التعويل على عون الأمن في
تحديد خطورة الفعل أكثر من ضروري ليثبت صاحب الفعل عكس ذلك بطرق التقاضي
المتعارف عليها.
وفي المحصّلة تبقى المسألة الأمنية في ذهن التونسيين أهم بكثير من بقية الملفات الأخرى المطروحة.